مملكة الحب
25-04-2008, 07:04 PM
بقلم الدكتور ميسرة طاهر
فيكل صباح يقف عند كشكه الصغير ليلقي عليه تحية الصباح ويأخذ صحيفته المفضلةويدفع ثمنها وينطلق ولكنه لا يحظى إطلاقا برد من البائع على تلك التحية،وفي كل صباح أيضا يقف بجواره شخص آخر يأخذ صحيفته المفضلة ويدفع ثمنهاولكن صاحبنا لا يسمع صوتا لذلك الرجل، وتكررت اللقاءات أمام الكشك بينالشخصين كل يأخذ صحيفته ويمضي في طريقه، وظن صاحبنا أن الشخص الآخر أبكملا يتكلم، إلى أن جاء اليوم الذي وجد ذلك الأبكم يربت على كتفه وإذا بهيتكلم متسائلا: لماذا تلقي التحية على صاحب الكشك فلقد تابعتك طوالالأسابيع الماضية وكنت في معظم الأيام ألتقي بك وأنت تشتري صحيفتكاليومية، فقال الرجل وما الغضاضة في أن ألقي عليه التحية؟ فقال: وهل سمعتمنه ردا طوال تلك الفترة؟ فقال صاحبنا: لا ، قال: إذا لم تلقي التحية علىرجل لا يردها؟ فسأله صاحبنا وما السبب في أنه لا يرد التحية برأيك؟ فقال : أعتقد أنه وبلا شك رجل قليل الأدب، وهو لا يستحق أساسا أن تُلقى عليهالتحية، فقال صاحبنا: إذن هو برأيك قليل الأدب؟ قال: نعم، قال صاحبنا: هلتريدني أن أتعلم منه قلة الأدب أم أعلمه الأدب؟ فسكت الرجل لهول الصدمةورد بعد طول تأمل: ولكنه قليل الأدب وعليه أن يرد التحية، فأعاد صاحبناسؤاله: هل تريدني أن أتعلم منه قلة الأدب أم أعلمه الأدب، ثم عقب قائلا : يا سيدي أيا كان الدافع الذي يكمن وراء عدم رده لتحيتنا فإن ما يجب أننؤمن به أن خيوطنا يجب أن تبقى بأيدينا لا أن نسلمها لغيرنا، ولو صرت مثلهلا ألقي التحية على من ألقاه لتمكن هو مني وعلمني سلوكه الذي تسميه قلةأدب وسيكون صاحب السلوك الخاطئ هو الأقوى وهو المسيطر وستنتشر بين الناسأمثال هذه الأنماط من السلوك الخاطئ، ولكن حين أحافظ على مبدئي في إلقاءالتحية على من ألقاه أكون قد حافظت على ما أؤمن به، وعاجلا أم آجلا سيتعلمسلوك حسن الخلق، ثم أردف قائلا: ألست معي بأن السلوك الخاطئ يشبه أحياناالسم أو النار فإن ألقينا على السم سما زاد أذاه وإن زدنا النار نارا أوحطبا زدناها اشتعالا، صدقني يا أخي أن القوة تكمن في الحفاظ على استقلالكل منا، ونحن حين نصبح متأثرين بسلوك أمثاله نكون قد سمحنا لسمهم أولخطئهم أو لقلة أدبهم كما سميتها أن تؤثر فينا وسيعلموننا ما نكرهه فيهموسيصبح سلوكهم نمطا مميزا لسلوكنا وسيكونون هم المنتصرين في حلبة الصراعاليومي بين الصواب والخطأ، ولمعرفة الصواب تأمل معي جواب النبي عليهالصلاة والسلام على ملك الجبال حين سأله: يا محمد أتريد أن أطبق عليهمالأخشبين؟ فقال: لا إني أطمع أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله، اللهماهد قومي فإنهم لا يعلمون. لم تنجح كل سبل الإساءة من قومه عليه الصلاةوالسلام أن تعدل سلوكه من الصواب إلى الخطأ مع أنه بشر يتألم كما يتألمالبشر ويحزن ويتضايق إذا أهين كما يتضايق البشر ولكن ما يميزه عن بقيةالبشر هذه المساحة الواسعة من التسامح التي تملكها نفسه، وهذا الإصرارالهائل على الاحتفاظ بالصواب مهما كان سلوك الناس المقابلين سيئا أو شنيعاأو مجحفا أو جاهلا، ويبقى السؤال قائما حين نقابل أناسا قليلي الأدب هلنتعلم منهم قلة أدبهم أم نعلمهم الأدب؟
فيكل صباح يقف عند كشكه الصغير ليلقي عليه تحية الصباح ويأخذ صحيفته المفضلةويدفع ثمنها وينطلق ولكنه لا يحظى إطلاقا برد من البائع على تلك التحية،وفي كل صباح أيضا يقف بجواره شخص آخر يأخذ صحيفته المفضلة ويدفع ثمنهاولكن صاحبنا لا يسمع صوتا لذلك الرجل، وتكررت اللقاءات أمام الكشك بينالشخصين كل يأخذ صحيفته ويمضي في طريقه، وظن صاحبنا أن الشخص الآخر أبكملا يتكلم، إلى أن جاء اليوم الذي وجد ذلك الأبكم يربت على كتفه وإذا بهيتكلم متسائلا: لماذا تلقي التحية على صاحب الكشك فلقد تابعتك طوالالأسابيع الماضية وكنت في معظم الأيام ألتقي بك وأنت تشتري صحيفتكاليومية، فقال الرجل وما الغضاضة في أن ألقي عليه التحية؟ فقال: وهل سمعتمنه ردا طوال تلك الفترة؟ فقال صاحبنا: لا ، قال: إذا لم تلقي التحية علىرجل لا يردها؟ فسأله صاحبنا وما السبب في أنه لا يرد التحية برأيك؟ فقال : أعتقد أنه وبلا شك رجل قليل الأدب، وهو لا يستحق أساسا أن تُلقى عليهالتحية، فقال صاحبنا: إذن هو برأيك قليل الأدب؟ قال: نعم، قال صاحبنا: هلتريدني أن أتعلم منه قلة الأدب أم أعلمه الأدب؟ فسكت الرجل لهول الصدمةورد بعد طول تأمل: ولكنه قليل الأدب وعليه أن يرد التحية، فأعاد صاحبناسؤاله: هل تريدني أن أتعلم منه قلة الأدب أم أعلمه الأدب، ثم عقب قائلا : يا سيدي أيا كان الدافع الذي يكمن وراء عدم رده لتحيتنا فإن ما يجب أننؤمن به أن خيوطنا يجب أن تبقى بأيدينا لا أن نسلمها لغيرنا، ولو صرت مثلهلا ألقي التحية على من ألقاه لتمكن هو مني وعلمني سلوكه الذي تسميه قلةأدب وسيكون صاحب السلوك الخاطئ هو الأقوى وهو المسيطر وستنتشر بين الناسأمثال هذه الأنماط من السلوك الخاطئ، ولكن حين أحافظ على مبدئي في إلقاءالتحية على من ألقاه أكون قد حافظت على ما أؤمن به، وعاجلا أم آجلا سيتعلمسلوك حسن الخلق، ثم أردف قائلا: ألست معي بأن السلوك الخاطئ يشبه أحياناالسم أو النار فإن ألقينا على السم سما زاد أذاه وإن زدنا النار نارا أوحطبا زدناها اشتعالا، صدقني يا أخي أن القوة تكمن في الحفاظ على استقلالكل منا، ونحن حين نصبح متأثرين بسلوك أمثاله نكون قد سمحنا لسمهم أولخطئهم أو لقلة أدبهم كما سميتها أن تؤثر فينا وسيعلموننا ما نكرهه فيهموسيصبح سلوكهم نمطا مميزا لسلوكنا وسيكونون هم المنتصرين في حلبة الصراعاليومي بين الصواب والخطأ، ولمعرفة الصواب تأمل معي جواب النبي عليهالصلاة والسلام على ملك الجبال حين سأله: يا محمد أتريد أن أطبق عليهمالأخشبين؟ فقال: لا إني أطمع أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله، اللهماهد قومي فإنهم لا يعلمون. لم تنجح كل سبل الإساءة من قومه عليه الصلاةوالسلام أن تعدل سلوكه من الصواب إلى الخطأ مع أنه بشر يتألم كما يتألمالبشر ويحزن ويتضايق إذا أهين كما يتضايق البشر ولكن ما يميزه عن بقيةالبشر هذه المساحة الواسعة من التسامح التي تملكها نفسه، وهذا الإصرارالهائل على الاحتفاظ بالصواب مهما كان سلوك الناس المقابلين سيئا أو شنيعاأو مجحفا أو جاهلا، ويبقى السؤال قائما حين نقابل أناسا قليلي الأدب هلنتعلم منهم قلة أدبهم أم نعلمهم الأدب؟