المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ظاهرة "استحلاب" الفقهاء


عبدالعزيز
20-04-2008, 11:11 PM
محمد الشيوخ * - 25 / 3 / 2008م - 1:01 ص


أيهما أهم الإنسان أم الدين؟!

سؤال إشكالي وجدلي وبقدر ما هو صعب لا يخلو أيضا من الأهمية، لكنه- وكما أظن- يكشف لنا، على الأقل، سلوك ثلاثة نماذج من الفقهاء «الحلوب، الحذر، المستحلب» في التعاطي مع الفتوى ذات الصلة بكرامة الإنسان وأدميته ومصالحه، وتتحكم معرفة الجواب إلى حد كبير في طريقة تعامل الفقيه مع نظرائه «الفقهاء» وبني جنسه «عامة الناس».
الفقيه الذي يرى أن الدين أهم وأفضل من الإنسان وتغيب عنه مقاصد الشريعة ويتذرع بالحفاظ عليها ويعتقد في اللاشعور بأنه الأقدر والأكفأ والأخلص من غيره في الدفاع عن الدين والممثل له، سيفرط في استخدام الفتوى وبشكل تعسفي ولن يتردد في حشرها في كل "دهليز" بغض النظر عن أهمية الأمر وضرورته وحجمه وخطورته.
هذا الصنف من الفقهاء يعتبر الفتوى من أهم الأسلحة الفعالة في مواجهة خصومه ومن بينهم خصوم الرأي حتى وان كانوا نظرائه، والمبرر في ذلك واضح وجلي: الحفاظ على الدين وحراسة الشريعة!!. يمكن تشبيه سلوك هذا النموذج من الفقهاء، فيما يتعلق بالتعاطي مع الفتوى والإفراط في استخدامها وحشرها في غير مواضعها عنوة، بما يشبه السلوك السلبي للبقرة الحلوب التي تدر الحليب في غير محله بمناسبة وبدون مناسبة، وعادة ما تنتفع به وحدها.
بالرجوع إلى تأريخ حركة الاجتهاد لدى المسلمين سنلحظ أن فقهاء كثر يمثلون هذا النموذج، ولعلهم الشريحة الأوسع بين الفقهاء، وغالبا ما يتم شراؤهم واستمالتهم واستقطابهم من إطراف وجهات ذات مآرب عدوانية، وبكل سهولة ويسر، وذلك إما لخفة وزنهم العلمي وسطحية معرفتهم بمقاصد الشريعة أو لبساطتهم إلى حد السذاجة أو لضعف إرادتهم وانسياقهم لأهوائهم وشهواتهم، والأخير هو أرجح الأسباب غالبا. هؤلاء عادة ما يخدمون أجندة الحكومات الدكتاتورية والنظم القمعية أو التنظيمات التخريبية ليقومون بعملية تشريع الحرام وتحريم الحلال ويضفون بفتاواهم الشرعية على الظلم والاستبداد والذبح ويسوغون غالبية الممارسات التي تنتهك حقوق الإنسان وتنال من كرامته وآدميته، ويبقى المبرر هو ذاته لا يتغير: الحفاظ على الشريعة، وبإسمها يذبحون حماة الشريعة الحقيقيون.!
أن فتاوى التكفير والذبح والتسفيه التي نعيشها في حاضرنا ونسمعها باستمرار ونلحظ آثارها الكارثية مصدرها هذا النموذج من الفقهاء وهي امتداد للفتاوى السابقة التي ذبح بها آلاف الأنبياء والأوصياء والمصلحون والمناضلون في غابر القرون الماضية.
المتتبع لمسيرة الفتاوى التي ضخت في اتجاه التخريب والتكفير والتفتيت يجد أتباعها يندرجون ضمن هذا النموذج من الفقهاء.
بالضد أو بالنقيض تماما للفقيه الحلوب، هناك فقيه آخر "حذر ورزين" تتفجر من جوانحه الحكمة والعلم، وهو ذلك الفقيه الذي لا يستخدم الفتوى إلا في حدودها الطبيعية وموضعها الخاص والصحيح، ويرى نفسه جنديا من جنود الشريعة كغيره من الفقهاء والعوام أيضا. غاية ما هنالك أنه يتبنى طريقا وينهج سلوكا قد يختلف عن سبيل نظرائه أو يتفق معهم فيه. المهم أنه لا يرى نفسه الصائب وغيره ضال ومضل، كما لا يزعم أنه وحده الحافظ للشريعة والداب عنها وما سواه هادما لها، وإنما يؤمن بأن لكل فقيه اجتهاده ومنهجه الخاص في خدمة الناس والحفاظ على الشريعة، والذي من خلاله قد يصيب أو يخطئ كما هو الحال بالنسبة له ولبقية الفقهاء، وبالتالي يحمل عمل نظرائه واجتهاداتهم محمل الخير دائما ويرى أن اجتهاداتهم البشرية تصب في ذات الاتجاه الذي يصب فيه هو أيضا، وعليه يترفع عن همز ولمز الآخرين.
فتاوى الفقيه الحذر عادة ما تأتي في سياق مصلحة الإنسان وتراعي مصالح عموم الأمة أيضا بكل مذاهبها ومدارسها دون تفريق، بل تتجه في صالح البشرية جمعا، كما هي رسالة السماء ومقاصد الشريعة. والمتتبع للفتاوى السياسية أو ذات الطابع الاجتماعي تحديدا الصادرة من هؤلاء طيلة القرون الماضية يجدها لا تخرج عن هذا السياق وهي غالبا ما تكون متناغمة مع كرامة الإنسان ومنسجمة مع حقوقه ومتفقة مع مصالحه المشروعة وهذا تحديدا ما تصبوا إليه الشريعة في مقاصدها.
لعل واحدة من أهم المفارقات بل واحد من أهم المعايير الهامة أيضا للتشخيص بين فتوى الفقيه الحلوب وفتوى الفقيه الحذر الحكيم، هو أن فتاوى النموذج الأول غالبا ما تكون بالضد من مصالح الفرد والجماعة والوطن والأمة وتؤدي للتخلف والجمود في حين أن فتاوى النموذج الثاني تعمل في الاتجاه المعاكس لها تماما، حتى يكاد المقارن بين الفتويين أن يلحظ فرقا شاسعا بينهما يصل إلى حد التصادم والتناقض.
لا يمكنك أن تلحظ في فتاوى الفقيه الحذر أي إساءة لطرف مهما اختلف وتباين معه في الرأي أو العمل، حتى خصومه وأعداءه في مأمن منه لكونهم يعرفون أن هذا النموذج من الفقهاء لا يستخدم سلاح الفتوى اعتباطا أو ضدهم إلا في حدود الإصلاح والمعالجة وفي موضع حفظ مصلحة وكرامة الإنسان والوطن والأمة وليس العكس. الفقيه الحذر أشبه بالجراح الماهر وعلى عكس الفقيه الحلوب الذي يشبه إلى حد كبير في تعاطيه مع الفتوى بالجراح المتطفل على عالم الجراحة والطب. مطالبة البعض إلى حد العتب بتدخل الفقيه في جزئيات الأمور وإلحاحهم عليه في استخدام الفتوى في كل مورد نابع من جهل المطالب بمكانة الفتوى وموقعيتها أو حالة الخلط بين الفقيه الحكيم / الحذر والآخر الحلوب الذي يتخبط بفتواه خبط عشواء.
الفقهاء الحكماء يمتازون بالورع ويرجحون مصالح الآخرين على مصالحهم الشخصية، كما أنهم يراعون مصلحة الأمة والناس قبل أي مصلحة أخرى، ومن الناحية العلمية يمتازون بغزارة العلم والمعرفة والإحاطة بحوادث زمانهم وظروفهم وغالبا ما تكون مقاصد الشريعة حاضرة في أذهانهم، وهذا ما يجعلهم في رزانة وحكمة ويقظة وحذر دائما. هذا الصنف من الفقهاء من حيث العدد هم قلة عددية جدا ولكن من حيث التأثير والوزن، هم أصحاب تأثير كبير في قواعدهم وعادة ما تأتي فتاواهم المتعلقة بفقه الجماعات والدولة والأمة في سياق تحقيق التوازن، وهم على النقيض تماما من الصنف الأول الذي غالبا ما تكون فتاواهم في اتجاه الإرباك وخلق الفتن والتضحية بمصالح الناس وتكفيرهم أو تسفيههم وتسقيطهم .
ولعل واحدا من أهم مزاياهم أنهم حذرون بوعي دائما إذ لا يمكن استمالتهم ضد أحد أو جهة ما، كما لا يمكن استدراجهم للفتن والمزالق، فهم أصحاب بصائر نافذة ورؤى ثاقبة، وعلى أيديهم تجهض كل محاولات المفتنين والمخربين والساعيين بالضد من مصالح الأمة ووحدة صفها، ولديهم بالمناسبة حساسية مفرطة تجاه أعراض ودماء وأموال الناس، وهي ذاتها مقاصد الشريعة. إذا رأوا دعوة انطلقت في شعاراتها باسم الدين والحفاظ على الشريعة يتأملوا مقاصدها ومقاصد أصحابها فان تبين لهم إنها مناقضة لمقاصد الدين فأنهم يقفون ضدها وضد أصحابها- مهما علت قاماتهم- بحزم ولكن بحكمة ووعي أيضا لكونهم يرون أن مقاصد الشريعة أهم من الدعوات والشعارات التي تحمل شعارات الدين وتتضمن الإساءة لمقاصده.
لعل المائز الحقيقي بين الفقيه الحلوب والفقيه الحذر وكذلك الفقيه المستحلب يكمن في مدى حضور الجواب الصحيح على السؤال أعلاه في ذهن أيا منهم.
__________________

الساحر كريمي
18-06-2008, 09:48 AM
مشكووووووووووووور

سجايا الأمل
22-06-2008, 08:27 PM
موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .
يعطيك العافيه يسلمو

عبدالعزيز
22-06-2008, 11:00 PM
شكرأ للكل

أسعدني حقاً مروركم

مهد
23-06-2008, 06:00 PM
يسلمووووو عبد العزيز
تحياااااتي
احباب الروح

شرقاويه
25-06-2008, 04:06 PM
يسلمووووووووووووووووووو

على الطرح الرائع

موفق ان شاء الله

فاطمة المعصومه
17-11-2008, 09:46 AM
يسلموووووووو

على الموضوع والمعلومات الراائعة

الله يعطيك الف عافية في ميزان اعمالك ان شاء الله